سيد محمد طنطاوي

175

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الكافرين وسوء مصيرهم - كما هي عادة القرآن الكريم في قرن الترغيب بالترهيب فقال - تعالى - : * ( هذا وإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ) * . واسم الإشارة خبر لمبتدأ محذوف . أي الأمر هذا ، أو مبتدأ محذوف الخبر أي : هذا للمؤمنين . وجملة « وإن للطاغين لشر مآب » معطوفة على جملة « هذا » على التقديرين . أي : الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - بالنسبة للمتقين ، أما الطاغون الذين تجاوزوا الحدود في الكفر والجحود والإعراض عن الحق ، فإن مرجعهم إلينا سيكون شر مرجع ، بسبب إصرارهم على كفرهم . * ( جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ ) * أي : إذا كان المتقون يدخلون الجنات التي فتحت لهم أبوابها ، فإن الطاغين تستقبلهم جهنم بسعيرها ولهيبها فيلقون فيها ويفترشون نارها ، وبئست هي فراشا ومهادا . * ( هذا فَلْيَذُوقُوه حَمِيمٌ وغَسَّاقٌ ) * واسم الإشارة هنا مرفوع على الابتداء ، وخبره قوله * ( حَمِيمٌ وغَسَّاقٌ ) * ، وما بينهما اعتراض . والحميم : الماء الذي بلغ النهاية في الحرارة . والغساق : صديد يسيل من أجساد أهل النار . مأخوذ من قولهم غسق الجرح - كضرب وسمع - غسقانا إذا سال منه الصديد وما يشبهه . أي : هذا هو عذابنا الذي أعددناه لهم ، يتمثل في ماء بلغ الغاية في الحرارة ، وفي قيح وصديد يسيلان من أجسادهم ، فليذوقوا كل ذلك جزاء كفرهم وجحودهم . * ( وآخَرُ مِنْ شَكْلِه أَزْواجٌ ) * أي : ليس عذابهم مقصورا على الحميم والغساق بل لهم أنواع أخرى من العذاب ، تشبه في شكلها وفي فظاعتها وفي شدتها ، الحميم والغساق . فقوله * ( وآخَرُ ) * مبتدأ ، وقوله * ( مِنْ شَكْلِه ) * صفته ، وقوله : * ( أَزْواجٌ ) * خبره . والآية الكريمة معطوفة على الآية التي قبلها . ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما يقوله أهل النار بعضهم لبعض على سبيل الندم والتحسر والتقريع . فقال : * ( هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ ، لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ ) * . والفوج : الجمع الكثير من الناس ، والاقتحام : ركوب الشدة والدخول فيها . يقال : قحم فلان نفسه في الأمر ، إذا رمى نفسه فيه من غير روية . أي : قال الكفار بعضهم لبعض بعد أن رأوا غيرهم يلقى في النار معهم ، أو قالت الملائكة لهم على سبيل التقريع والتأنيب : * ( هذا فَوْجٌ ) * أي جمع كثير من أتباعكم وإخوانكم في